ملا محمد مهدي النراقي
315
جامع الأفكار وناقد الأنظار
العلم والإرادة في الأزل عن ايجاد الفعل عنه . بل قد يجب بخلاف الأوّل ، إذ لا يمكن على ذلك التقدير انفكاك الفعل عن وجود الفاعل مع وجود الشرائط ، فلو حصل الانفكاك لتعلّق علم غيره بالحدوث في وقت معين لا قبله ، فيلزم التخلّف ؛ انتهى . وردّ عليه بعض الأفاضل : بأنّ التفرقة تحكّم ! ، لأنّه لا شكّ في أنّه إذا تعلّق علمنا بأصلحية شيء في وقت وقدرنا على فعله واستجمع ساير الشرائط فالتخلّف إنّما يحصل إذا لم يفعل ذلك الشيء في ذلك الوقت . وأمّا قبله فلو لم يحصل فيه فلا يلزم تخلّف ، لأنّ العلم تعلّق بأنّ فعله أصلح بعد ذلك ، ومعلوم بالضرورة أنّه سواء في هذا أن يكون الموجد لذلك الشيء ومن تعلّق علمه بالأصلح واحدا أو متعدّدا . فإذا كان الموجد لجميع الأشياء هو الواجب - تعالى - فلا محذور في تأخّره ايجاد شيء إلى الوقت الّذي تعلّق تأثيره بفعله فيه ، سواء أخّر ايجاد العالم الجسماني إلى وقت معين لتعلّق إرادة بعض المجرّدات بفعله فيه ، أو أخّر أفعالنا إلى وقت معيّن لتعلّق إرادتنا بفعلها فيه ؛ انتهى . وغير خفيّ انّ بناء هذا الايراد على أنّ أصل الإفاضة والتأثير في كلّ ممكن من اللّه ، إلّا انّه على سبيل الايجاب ، وحدوث العالم الجسماني لا ينفيه للاحتمال المذكور - أي : توقّف الحدوث على سبيل الايجاب على علم غيره وارادته - ، لا على علمه - تعالى - وارادته ليثبت الاختيار ويرتفع الايجاب . وأمّا بناء الاعتراض السابق على أنّ أصل الإفاضة والتأثير في العالم الجسماني ليس منه - تعالى - ، بل من ممكن مختار قديم صدر منه - تعالى - على سبيل الايجاب . فحدوثه لا يثبت اختياره - تعالى - ، بل انّما يثبت اختيار هذا الممكن الّذي حدث منه العالم . وأنت تعلم انّ الاحتمال المذكور - أعني : توقّف حدوث العالم الجسماني من الواجب على سبيل الايجاب على علم غيره وارادته - ممّا يأباه العقول السلمية ولا يجوّزه القرائح المستقيمة ، لأنّ الفاعل الموجب عنه الفعل من غير شعور كيف يصير مجرّد شعور غيره باعثا لعدم فعله في وقت وفعله في وقت آخر ؟ ! ؛ وأيّ مناسبة بينهما ؟ ! . فقد ظهر ممّا ذكر أنّ القول باستناد العالم الجسماني إلى ممكن مختار مع كون الواجب